حمزة ابو عياش

رسل الحرية – عن الحياة الجديدة

24-2-2014

كتب: حمزة ابو عياش*

لا شك ان الجدار سطح رسم مغرٍ جدا لفناني الجرافيتي لو كان في وضع غير وضعه، لكن وجود الجدار والرسالة التي يحملها بالفصل العنصري تجعل أي إنسان لو فكر بالموضوع بتعمق قليل أن أي فعل رسم على هذا السطح هو مجرد تجميل، وفي أحد المستويات يصبح التعامل مع وجوده طبيعيا ومقبولا للعين ما يجعله مقبولا ذهنيا، مثلا لو أخذنا رسمة ياسر عرفات التي على الجدار من جهة حاجز قلنديا التي نفذها الفنان سڤِن 7 بإتقان عال فهي محببة للغالبية ما يجعل السطح المرسوم عليها مقبولا ضمنيا، لذا فإن أي فعل جرافيتي على هذا السطح هو بمثابة تثبيت لوجود السطح، هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن هذا الجدار ليس لنا بل هو ورم سرطانيّ وأي فعل عليه تجميليّ كمن يرسم وردة على ورم سرطانيّ ينهش جسده، من ناحية ثالثة فإن تداعيات وجود أي رسالة على الجدار لن تلقى المتلقين المطلوبين لها، حتى وإن كانت شعارات تهاجم وجود الاحتلال؛ لأنها في الجهة التي تحاصر الضفة الغربية، وأما من الناحية الأخرى من الجدار فهي نظيفة تماما بحيث أن وجود الجدار لا يعززه رسائل بصرية تثبّت وجوده هذا ان اغفلنا أن في الوعي الجمعيّ اليهوديّ الذي يسوّق له الكيان الصهيوني فكرة الجدار موجودة لكن بشكل مغاير عما هو موجود هنا حاليا وكانت تحديدا في اوروبا في التجمعات اليهودية والتي كانت تدعى “غيتو” فتلك كان هدفها حماية المجتمعات اليهودية لنفسها وعزل انفسهم عن المجتمع المسيحي الاوروبي ، فيتعامل معه من في الطرف الآخر بإهمال، أو لنقل لا يتعاملون مع وجوده أبدا، وان كان من باب لمقاربة صورة الجدار البغيض مع جدران زنزانة أسير يؤرخ ويوثّق عليها يومياته وأحلامه وربما تعداد أيامه، فهذي مقاربة باعتقادي ربما تكون صائبة في جانب، لكنها بعيدة عن الدّقة والموضوعية في جوانب أخرى، إذ لا مساحات لعين الأسير غير جدار زنزانته في مقابل جدران مدننا وقرانا ومخيماتنا التي تنوء كلها تحت الأسر الجمعيّ، وهذا من شأنه ان يجعل من هويتنا مربوطة على سطح إسمنتيّ أقيم على أرضنا رغم انفنا.

من جانب آخر، فالجرافيتي فعل شارع، ومن يملك المهارة ألِق نجمه على الجدران لا يجعله فنانًا بقدر ما يكون مواطنا ذا ردة فعل برسالة بصرية؛ بل وربما نستطيع القول بأن الفنانين دخيلون على هذا الفعل، فتحديدا إن تضاءلت الرسالة من العمل أو انتقل من الشارع إلى صالة عرض، فقد روحه وتحوّل إلى جدارية ذات مزيج بصري بصبغة من الجمال.

هنا تجدر الاشارة أن المقاربات بين الجدار الذي يقطّع أوصالنا وجدار برلين الشهير الذي كان يفصل بين الكتلة الاشتراكية ممثلة بألمانيا الشرقية بعاصمتها برلين الشرقية من جهة والرأسمالية الإمبريالية ممثلة بألمانيا الغربية بعاصمتها بون هي محض مقاربات من العبث اللهم الاسم قد اشترك، فجميع أسباب إقامة جدار برلين لها محدداتها السياسية المبنية على قواعد الحرب الباردة بين قطبيّ العالم آنذاك، وكان يفصل بين أبناء جلدة واحدة ناهيك عن ارتفاعه مقارنة بما يقض مضجع أرضنا.

قد لا يمكن تعميم وجهة النظر هذه على الشارع ومن يمسك علبة رش بتلقائية ليصب جام غضبه بعبارات أو شعارات تناهض الجدار؛ ولكن يمكننا على الاقل نشر وجهة النظر هذه لمن يحجّ من فناني الجرافيتي الدوليين مناصرا لقضيتنا وان كان لا بد من لهم ممارسة هذا الفعل حجيجا فنّيا فليكن على الجانب الآخر من الجدار حيث يراه من أقامه، ولا اريد التطرق هنا إلى مصدر الاسمنت أو اليد العاملة بقدر ما أقصد أصحاب القرار بإنشائه.

 * فنان جرافيتي