باسر أبو هلالة

رسل الحرية – عن الغد

18-1-2014

كتب: ياسر أبو هلالة

 أبطال رواية غسان كنفاني “رجال في الشمس” الأسطوريون يلتقون بأبطال المنجم الحقيقيين في التشيلي، ويقدمون رواية ثالثة، قد ينضم إليها أبطال المناجم الصينيين الذين قضى 2800 منهم العام الماضي تحت الأرض من دون أن يذكرهم أو يخلدهم أحد، وهم يصلحون رواية رابعة.

 رجال كنفاني ماتوا في خزانهم تحت لهيب شمس الكويت، دون أن يتجرؤوا على طرق الخزان، فلو اكتشفت أمرهم شرطة الحدود لأبعدتهم وربما أوقفتهم، وتبخرت أحلامهم في تحقيق الثراء في الإمارة النفطية، بعد أن تبخر حلمهم الأكبر بالعودة إلى أرضهم فلسطين. يموت أمثالهم في محاولات اجتياز البحر وصولا إلى أوروبا. تلفظ جثثهم الأمواج ولا يطرقون على الخزان أيضا.

 في تشيلي تحققت الأسطورة، وتحول طائر العنقاء (اسم عملية الإنقاذ) إلى حقيقة ماثلة تابعتها البشرية على الشاشة. دروس كثيرة يمكن تعلمها من الأسطورة. أولها أن العمال الذين تصدوا لدكتاتور تشيلي بينوشيه وأسقطوه كانوا في حينها يدافعون عن حقهم في الحياة، ولا يمارسون ترفا سياسيا.

 لو أن الدكتاتور الذي خلده ماركيز في روايته “خريف البطريرك” كان حاكما، لانضم عمال المنجم الـ 33 إلى 2800 صيني قد توثق مأساتهم في أسطر ضمن تقارير منظمات حقوق الإنسان. لكن في الدولة الناجحة والديمقراطية يجند الوطن كله، والإنسانية في ظهره، لإنقاذ حياة مواطن. فالوطن ليس القائد الملهم الذي يفدى بالأرواح بل هو كل مواطن فيه. وبدلا من أن تسخر الموارد من أجل حماية الدكتاتور وإشباع شهواته النهمة تنفق بلا حدود من أجل حياة كل إنسان، ولو كان عامل منجم بسيطا.

 في تشيلي، مارست الولايات المتحدة دورها الوسخ الذي تمارسه في منطقتنا. أجهزت عام 1973 على الحاكم المنتخب لأنه كان يساريا وجاءت بالجنرال بينوشيه. لم يكتف أهل تشيلي بلعن الشيطان الأكبر، وتمكنوا من أقصاء الشيطان الأصغر الذي غادر السلطة عام 1990.

 مقابل نجاح التشيليين في بناء دولة ديمقراطية وناجحة اقتصاديا، فشلت كثير من دول أميركا اللاتينية. وظلت أسيرة الاستبداد والفوضى. وهي فاشلة سواء عادت أميركا أو سارت في فلكها. فالعامل الخارجي على أهميته ليس حاسما في حال أخذت الشعوب زمام المبادرة وقررت أن تعيش بكرامة.

 في خريف البطريرك ينقل عن الجنرال “ويعود ليجيبهم: الوطن يعني البقاء على قيد الحياة – شي نملكه أو لانملكه – يالك من بطل سيدي الجنرال دائما ملتهب حبا رغم الشيخوخة، أما هو فكان يقبع حزينا بعد المضاجعة ويشرع في الغناء كيما يتعزى هناك حيث لا أحد يتمكن من سماعه كان يغني، ياقمر كانون الثاني، يا مشعا في الأعالي، انظر إلي على مشنقة نافذتك حيث القدر رماني، كان يغني واثقا من محبة شعبه”. رواية النفق معكوسة، فالعمال يحيون و يبقون على قيد الحياة، والرئيس التشيلي ينافس من أجل التقاط صور معهم. فهم من يمنحونه الشرعية لا هو. الشرعية تأتي من تحت، لا من فوق.

 طرقوا على الخزان، عندنا لو طرقوا لاعتقلوهم، ولصوروهم مع أرقام بوصفهم مجرمين. لا تَصوّروا معهم. مرة أخرى مع غسان كنفاني “عالم ليس لنا”.