فرح مرقة

رسل الحرية – عن رأي اليوم

13-1-2014

كتبت: فرح مرقه

 سئم الغرب من اليهود، أرسلهم لفلسطين.. ملّ العرب من القضية، باعوا فلسطين.. غضب اليهود، قتلوا الفلسطينيين.. تعثرت الدبلوماسية الأمريكية، قررت إيجاد حل في فلسطين.. طالب السوريون بالحرية، فمات الفلسطينيون أيضا !!

 أجل إنهم الفلسطينيين، دافعي ضرائب المنطقة والمناطق المجاورة وغير المجاورة.. والضحية النموذجية لكل مزاجات العالم.. والدم الأسهل للإراقة.. والأطفال الأكثر ملائمة للتشريد.. والعجائز الذين تتناغم تجاعيد وجودهم مع التهجير.. وكل ما سبق معروف منذ زمن، ولكن الجديد اليوم، هو أنهم بمجموعهم باتوا الأسهل للتجويع والتمويت!

 المناظر التي عرضتها فضائية الجزيرة لقاطني مخيم اليرموك وهم يتحوّلون من فلسطينيين إلى صوماليين من شدة الجوع، لفّت حبلا على عنق الخجل العربي، ثم شدّته.. لتحكم قبضته على الخجل والإنسانية معا، ثم ومع آخر نفسٍ للعجوز التي بات وجهها أبيض لشدة افتقاره للدم، زهق روح البشرية جمعاء صارخا “يدفع الفلسطينيون ثمن وهنكم، ثمن ضعفكم، ثمن لا إنسانيتكم، وثمن قبولهم بكم”.

 هكذا كانت وجوه الأطفال تقول، كانت أفئدة الأمهات تصرخ، وبهذه الكلمات كانت صدور الآباء تضيق، وعيون الأبناء تُغلق.

  لم يبقى شيء لم يدفع الفلسطينيون ثمنه لهذا العالم، فأنا أجزم أننا لو دققنا في الهواء لوجدنا ثمنه مدفوع من دم فلسطيني أو روح فلسطينية، والماء كذلك والتراب وغيره الكثير والأهم “النفط”، فلطالما الفلسطينيون دفعوا ثمنا للنفط.

 ضاقت صدور دول الخليج حين رأوا إيران في المنطقة، ولم يؤلمهم منظر أسر تموت جوعا، تاركة على جباههم عارها.

  تشدق الإيرانيون وأنصارهم بكل ما من شأنه أن يتحدث عما في سوريا كمحاولة لإلهائها عن “محاسبة اسرائيل”، ولم يتنبه الشيخ حسن نصر الله لفلسطينيي اليرموك يذوبون شموعا، تحترق لا لتهدأ الكرة الأرضية بعدها، ولكن لتودّع حياة ما زادتها إلا احتراقا، وما أنقصت منها إلا أسباب الحياة.

 بشار الأسد، والذي لم يدع مناسبة لم يعلق فيها فشله في إدارة أزمة بلاده ومفاقمتها على شماعة الفلسطينيين، ما رفّ له جفن أمام الواقع المرير الذي فرضه ورجاله على أطفال أصبحوا إما يعيشون “بعلا” لا يأكلون إلا من خشاش الأرض، أو لا يعيشون أصلا.

 عند الحسابات السياسية، كلكم تلعقون أصابعكم بعد تسويات حملتها ظهور الفلسطينيين، ودفعوا أثمانها من جلودهم ودمائهم، لكنكم دوما عند النخوة والإنسانية، تظهرون مسوخا بلا “أيدٍ” أو حتى قلوب..

 وكأنني أرى الجلد الملتصق بجسد العجوز في المخيم يرسم خارطة فلسطين كبرى، وحنظلة يدير ظهره لكل البسيطة وهو يقول “هذا ظهري اطعنوا أكثر فليس عندي ما يخشى عليه” !!

ظلال كيري على شارون..

 اعتقد التصريحات والشهادات الأمريكية التي انطلقت بحق الرئيس الاسرائيلي السابق “آرئيل شارون”، لا تنفصم بحال من الأحوال عن حديث الساعة، والذي يدور كوكب الأرض اليوم حوله، والمتمثل بمبادرة وزير الخارجية الأمريكي كيري.

 تصريحات مقتضبة، جاءت على شكل شهادات بحق “الراحل”، من اللاعب السياسي الأمريكي دينيس روس على التلفزيون الأوروبي “يورونيوز″ ، لا يمكن أن تنفصل عن واقع حال المفاوضات الأمريكية مع طرفي المعادلة، خصوصا إن ذكرت “الأردن” فجأة بين سطور لم تكن لتذكر فيها لولا ظلال مبادرة كيري.

 روس الدبلوماسي الأمريكي الخبير في شؤون الشرق الأوسط، وفي شهادته بحق آرئيل “الإنسان”- حسب وصف استخدمه المذيع ولا أعرف معناه في السياق-، تحدث عن شخص عملي قادر على تغيير طبائعه حسب موقعه ومنصبه، متفهم لدفاع الفلسطينيين عن كرامتهم، ولا يستطيع التخلي عن مبادئه في المقابل.

 كل ما سبق ليس جديدا في ضوء معرفة انحياز روس للاسرائيليين، وحتى لو زدنا حديثه عن المفاوضات مع شارون بصفتها اصعب منها مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، كون الأول كان “يخطط دوما للوفاء بوعوده” عكس الآخر والذي كان يفكر بالتنصل منها.

 وهنا لا ضير من فهم رسالة عن مجريات المفاوضات الحالية، وعن مسيرتها، وعن استعداد الأمريكي لها وتصوره لما سيتبعها، متناسين “الوعود” التي دمّر شارون أطفالها وشرد نساءها وأقام فيها المجازر، ومتجاهلين الحالة التفاوضية العظمى التي كان ولازال فيها الفلسطيني، والتي دوما تضعه أمام خيارين لا ثالث لهما “إما قبول أو قبول” بأي قيد أو شرط أو مفاوضات أو معاهدات.

 كل ما سبق يكاد لا يكون جديدا، ولكن ما قدح في ذهني كل الأفكار كان أن يقول روس فجأة إن شارون كان قد قال “إن الأردن هي فلسطين”، مضيفا أن “السفاح” أصبح في وقت لاحق، واحدا من أكبر من قدموا الدعم للعلاقات الإسرائيلية الأردنية، و قد كان يتطلع لتوثيق “عرى التعاون” !.

 لن أعلّق أو أسأل ماذا أراد “داهية” كـ دينيس روس من جملة كهذه، وماذا تخبئ المفاوضات اللامحددة المعالم حتى اليوم للأردن وفلسطين معا، ولكن الأمر الوحيد الذي لن استطيع اغفال قوله: آرئيل شارون.. “تقلّب” في السعير.. ولا ترتح في آخرتك ثانية.. فما لقيته البشرية منك أكبر حتى من “رقود” في قعر قعر الجحيم.

طوقان.. ومبادئ التسويق !

 لم يكن موفقا رئيس هيئة الطاقة الذرية  الأردنية خالد طوقان حين عزا حادثة تعطل المفاعل النووي الياباني فوكوشيما، إلى سوء الإدارة ومركزية القرار في دولة مثل اليابان ووزنها الفكري والاقتصادي.

 الدكتور طوقان بدا كمندوب تسويق لم يحفظ درسه جيدا، فقد بات الجميع مدركا أن الظهور الإعلامي المتتالي المفاجئ لعميد المشروع النووي، ماهو إلا جولات “مسوّق” يحمل في حقيبته بضاعة يهمه إقناع الناس بها “حتى وإن كانت لا تلزمهم”، الأمر الذي أفشله طوقان حين تحدث عن تجربة فاشلة مثل فوكوشيما بهذه الصورة.

 ضحكة المذيع محمد الخالدي حين قال طوقان كلمتي السر “سوء الإدارة ومركزية القرار” تستطيع أن تلخص ما خطر على أذهان الأردنيين جميعا، فإن كانت الصين “بعظمتها” وسياراتها وحواسيبها وكل التكنولوجيا التي نعلمها عنها والتي لا نعلمها تعاني سوء الإدارة ومركزية القرار، فماذا ينتظر رئيس الهيئة من الأردن، “سيّد” المؤسسية الإدارية و”تاج رأس″ اللامركزية؟!..

 لا أحد ينكر كم العلم الهائل الذي يحمله الدكتور طوقان، ولكن علينا أن نكون أكثر منطقية حين نتحدث عن “أردن نووي”، فمشروع مثل المذكور غلطته بمسح الأردن عن الخارطة عن بكرة أبيه- لاسمح الله-؛ فهل يضمن لنا الدكتور طوقان عدم حدوث “هفوات” إدارية قد تكلّفنا حيوات أبنائنا وآبائنا معا، وهل يضمن لنا “لامركزية” في القرار في مشروع لا يتركز حتى اليوم إلا في ذهنه وحده “حصرا”.

 معاليك.. بعد أن امتصصتم بعضا من غضب الشارع فيما يتعلق بإقامة المفاعل مكان واحد من أهم الآثار الأموية “قصير عمرة”، كيف ستغلق باب “سوء الإدارة” الذي شرّعته على نفسك، والأردن حتى اليوم تضرب الأمثلة متتالية في السوء الإداري، ووضع أشخاص خطأ في الأمكنة الأكثر خطأً؟؟!!

صراحة.. الله يعينك !